نُشر هذا المقال بالأساس على موقع  MIT Enterprise Forum Pan Arab Region 

وصلت إلى تورنتو ليلة أربعاء باردة، هرعت إلى داخل سيارة سوداء رباعية الدفع ونظري لا يبارح صف سيارات الأجرة الذي لا ينتهي والذي ينتظر وصول الزبون التالي. بصفتي طالب دكتوراه، أصنّف تلقائياً مسافراً بميزانية ضئيلة لذلك لم يكن ضمن قدرتي طلب تاكسي ولكنّي بعد ست ساعات من السفر بالقطار في البرد القارس والتزامي بإنهاء عرض للجامعة، لم يكن أمامي خيار آخر سوى أوبر. هكذا التقيت خان السائق الذي قاد سيارة أوبر تلك الليلة وأوصلني إلى وجهتي خارج المدينة.

خان الذي لا تفارق الابتسامة وجهه، أخبرني أنه انتقل مؤخراً مع زوجته من الولايات المتحدة بعد حصوله على دبلوم تدريس. فبالنسبة إليه، كانت قيادة سيارة أجرة مع أوبر بمثابة استراتيجية التكيّف التي اتبعها لتجاوز سوق العمل التقييدي وبالطبع السبيل لدفع فواتيره. وللقيام بذلك، اشترى سيارة “نيسان باثفايندر” بـ34 ألف دولار لولوج السوق الفاخرة عبر منصة “أوبر سلكت” Uber-Select. غير أنّه في تلك الليلة كان ناشطاً على “أوبر إكس” Uber-X أي المنصة “الاقتصادية”. فأن يكون لديك زبائن هو أفضل دائماً من أن تجوب الشوارع بمقعد خلفي فارغ.

كان هذا شعاره في الحياة إذ عثرت على حقيبة توصيل طعام “أوبر إيتس” UberEATS في صندوق السيارة. فهذا تكتيكه لتحقيق المردود حين ينقطع من الرحلات. وخلال الرحلة، كان خان يتبع المسار الذي اقترحه تطبيق أوبر على هاتفه المثبّت على الزجاج الأمامي، بينما أنا أطفالي يخلدون إلى النوم عبر تطبيق “واتساب”.

حين بلغنا وجهتنا، وهي شقة حجزتها عبر تطبيق “إر بي إن بي”، عرفت أن الرحلة كلّفتني 34 دولاراً أميركياً سيحسم أوبر منها 25% بالإضافة إلى الضرائب. وبالتالي فإن خان حصل على حوالي 22 دولاراً كعائد إجمالي (إذا لم نحتسب التكاليف الإضافية مثل الوقود وصيانة السيارة والإنترنت وكلفة التقادم أو الاستهلاك وقيمة جهده خلال الرحلة).

في الأيام الثلاثة التالية، استعملت أوبر أكثر من ست مرات. التقيت سائقين من مختلف الخلفيات التعليمية والثقافية. ولكن ما جمعهم هو أنهم كانوا جميعاً مهاجرين يبحثون عن دخل إضافي لتسديد فواتيرهم أو قيمة قرض أو لتفادي الدخول في دوامة قروض الطلاب. قد تكون هذه قصة قصيرة لرحلة عبر تطبيق أوبر ولكنها قد تدفع أيضاً إلى التفكير النقدي بكيفية استعمار التطبيقات لحياتنا اليومية بحسب آدم غرينفيلد (2017) في كتابه “التقنيات الراديكالية: كيف تصمم حياتنا اليومية” (Radical Technologies: The Design of Everyday Life).

في السنوات الثلاث الماضية، أخذ حديثي إلى سائقي أوبر معظم وقتي. التقيت أكثر من 150 من زملاء خان في أكثر من خمس مدن في قارّتين. وكانت كل تلك الرحلات تقريباً أساسية في بناء فهمي لـ”اقتصاد المنصّات” الناشئ وطبيعة التحوّلات في العمل التي أدخلها هذا الشكل الجديد من نماذج الأعمال التي تعتمد بشدّة على المصادر الخارجية (سرنيسك 2017). وعند بلوغ وجهتي في كل رحلة، كنت أشعر بأنّي ملتزم بمنح السائقين الباسمين العلامة الأعلى في التقييم على التطبيق أي خمس نجوم. والمفارقة أنه في إحدى الرحلات، قال لي سائق شاب من مونتريال “أنا أبيع ابتسامتي مقابل خمس نجوم”.

في ظل هذه الظروف، يضطر العاطلون عن العمل والعاملون الفقراء إلى القبول بظروف عمل كالتي تفرضها الأعمال الناشئة (مثل أوبر وديليفرو وفودورا وكراودفلاور وتاسكرابيت وإر بي إن بي). وهذه الأخيرة، منذ عقد من الزمن، تُحدث ثورة في أسواق العالم في الاتصالات واللوجستيات والنقل والفندقية. وهذه الشركات التي تعتبر الملاذ الأخير للتوظيف، تدمّر بشكل خلّاق نموذج توظيف المصنع المتوارث من الحقبة الصناعية، بأسلوب شومبيتاري (Schumpeterian) وترسي أسس نموذج توظيف المنصات.

يمكن اختصار المفهوم بكلمات لوكاس بيوالد الرئيس التنفيذي لـ”فيغر إيت إنك” Figure Eight Inc. (سابقاً كراود فلاور CrowdFlower) وهي منصة رائدة في المهام المصغّرة، إذ يقول إنه “كان في السابق من الصعب إيجاد شخص والجلوس معه لعشر دقائق وإقناعه بالعمل لديك ومن ثم طرده بعد تلك الدقائق العشر. ولكن مع التكنولوجيا، يمكنك فعلاً العثور على هذا الشخص ودفع القليل له ومن ثم التخلّص منه حين لا يعود هناك حاجة له”. (مارفيت Marvit، 2014).

وللوصول إلى هذه الغاية، تستخدم تلك الشركات هيكلية رقمية متعددة الغايات ـ التطبيق ـ لاحتكار الأسواق العالمية (النقل في حالة أوبر) وإعادة تعريف دور العمّال كمزوّدي قوّة عمل حيّة وأدوات رئيسية للإنتاج (سيارات، هواتف، خطة بيانات) ونفقات جارية (الصيانة).

ولكن ليس المقصود هنا تقويض حجم رأس المال الذي يضخّه السائقون في جهودهم لتجديد استثمارهم الرأسمالي (تجديد سياراتهم) والمحافظة على استمراريتهم على المنصة. لذلك، ففي صلب هذه العملية تكمن بنية خوارزمية تنظّم العملية الشاملة للإنتاج. ومركز القيادة والتحكم الخوارزمي هذا مدمج في التطبيق الرقمي، وهو موجود فعلياً في خوادم الشركة ولكن له تفرّعات جغرافية في جميع أنحاء العالم من خلال شبكة تضم 30 مليون هاتف ذكي يعود للسائقين.

باختصار، تعزز هذه السيطرة الخوارزمية على الإنتاج شرذمة القوى العاملة (غراهام وآخرون، 2016) وتعمّق عزلة العمّال عن الانتماءات الإدارية والمهنية ( ليهدونفيرتا 2016)، وتنزع الصفة الإنسانية عن العمل من خلال تحويل العمال إلى مجرّد “نقرة” على الشاشة (إيراني إل 2013).

في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفيما يلج اقتصاد المنصات بنشاط الأسواق المحلية، ما زلنا بعيدين عن البيانات الكافية حول الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للعمال الرقميين. غير أننا نعرف أن السوق الشرق أوسطي يمثل موقعاً جيداً لشركات مثل أوبر و”إر بي إن بي”. ويعود ذلك بشكل خاص إلى عدم التناسق بين العدد المتزايد للباحثين عن عمل (خصوصاً الشباب والمتعلمين) والإمكانية المحدودة لخلق الوظائف. وبالتالي، في ظل العدد الكبير للسكان في سن العمل العالقين في الاقتصاد غير الرسمي، ثمة خطر من أن يعزز اقتصاد المنصات الصفة غير الرسمية للعمالة ويدفع العمال العرب نحو المزيد من ظروف العمل الاستغلالية.

ونحن في سمكس ندرك تماماً أولوية هذا الوضع ونعمل بنشاط مع أفراد ومنظمات من أجل تحسين فهمنا للسياق المحلي. غير أننا نؤمن بضرورة إعادة النظر في إطار العمل القانوني السائد وإصلاحه كي يكون قادراً على الدفاع عن حقوقنا المدنية وحماية خصوصيتنا في زمن “المعلوماتية”.

بناء على كل ما سبق، من الأهمية بمكان فهم أن “نظام التطبيقات” يعتمد على السوق المثقل بعقود من المرونة الممنهجة في تنظيمات العمل وشرذمة نقابات العمال وتعدد أوضاع العمل.

في ظل هذه الظروف، تقوم منصات مثل أوبر بدور الملاذ الأخير للتوظيف. وتمثّل، مع بعض التحفظ، نافذة لأي جيش من الفقراء العاملين بشكل غير رسمي ومعظمهم من المهاجرين، في الاقتصادات الغربية، الذين تم إقصاؤهم من المجتمع القائم على الأجر ومن امتيازاته ونظام الحماية الاجتماعية فيه إضافة إلى المنظومات الجماعية.

يبدو نموذج العمل “من دون مدير” و”من دون مكتب” و”من دون دوام عمل ثابت” جذاباً للعمال حول العالم. لذلك فإنه من واجبنا فهم هذه النماذج الجديدة، والتعبئة من أجل ظروف عمل لائقة أكثر. ويبدو أن “نظام التطبيقات” جاء ليبقى وهو يجذب ملايين العمال حول العالم. فهو يملك قدرات حاسوبية وقدرات مراقبة غير مسبوقة. لذلك فإن لا أحد قادر على وقفه. وهدفنا وواجبنا أن نتعاون كباحثين ونشطاء ومجموعات ضغط وشركاء في التنمية ومواطنين لإطلاق حملة مناصرة لتحقيق تغيير في السياسة قائم على الحقوق يتيح للناس تحقيق المردود في ظروف عمل آمنة تحفظ كرامتهم الإنسانية.

(مصدر الصورة الرئيسية: MITEF Pan Arab)

Read in english


ربيع جميل، باحث في اقتصاد المنصّات الإلكترونية.

This page is available in a different language English (الإنجليزية) هذه الصفحة متوفرة بلغة مختلفة